الاعلام اللبناني المتلفز : فالج

by i-naj

 ظهرت الى الضوء في الايام الاخيرة قضية التغطية الاعلامية الرديئة للاحداث الراهنة في لبنان و ما نسب فيها من دور للاعلام المرئي، خصوصاً بعد سلسلة من المقالات التي تناولت   تغطية كل من ال بي سي و الجديد لقضية المخطوفين، و الخطاب الاخير  للسيد نصر الله و الذي دعا فيه هذه المحطات لان “تتقي الله”، و التهديد الاخير من قبل الحكومة ممثلة بالمجلس الوطني للاعلام.

و قد اتى رد قناة الجديد البارحة كعذر اقبح من ذنب و من باب ال “شو وقفت عليي” الشهيرة مصحوبة باعتراف ان هذا الاعلام هو على صورة هذا البلد. لم يتسنى لي مشاهدة مقدمة الأل بي سي للاسف. و المقدمات الاخبارية هذه حدّث و لا حرج، فباستثناء بعض محاولات الأل بي سي لاخراج هذه المقدمات من المعهود، تبقى في معظمها كتابات انشائية مليئة باللغو و التي تشبه كثيراً المسلسلات اللبنانية في طريقة كتابتها ، . و يبدو ان الأل بي سي لم تحسم ازمة هويتها بعد و باستطاعة المتفرج في الفترة الحالية ان يلعب لعبة “احزر من كتب هذه المقدمة اليوم” بما يشبه الكوميديا.

لقد “نظم” الاعلام المرئي بعد الحرب الاهلية في لبنان بحيث اعطيت التراخيص بالمحاصصة بين الطوائف و الزعماء، و تزامنت هذه الفترة ايضاً مع بداية عصر “الفضائيات” في العالم  العربي. و شهدت هذه الفترة الاولى  طفرة محدودة في هذا الاعلام كان نجمها برامج الترفيه التي اندهش فيها الخليج العربي لما كانت تحويه من “جديد” لم يعهده المشاهد قبل الفضائيات.هذا النجاح في استقطاب التمويل و الاعلانات أملى على الفضائيات اللبنانية ثقافة “روتانا و أخواتها” و هي عبارة عن كاتالوغ لمواصفات البرنامج الناجح و الفنان الناجح و الكليب الناجح،  طبعاً من وجهة نظر نفطية. لذلك فقد شهدت هذه الفترة انقراض البرامج التي كانت-على قلّتها- تخاطب الجزء الاعلى من العقل  لصالح البرامج التي تخاطب الجزء الاسفل منه.

و مع ظهور “الجزيرة و أخواتها” و الاحداث الكبيرة التي بدأت تغير المنطقة بأكملها كأحداث الحادي عشر من أيلول و غزو العراق و ما تبعها انصرف المشاهدون الى التسمّر امام الفضائيات الاخبارية و متابعة الاحداث بتفاصيلها المملة، الخبر العاجل تلو الاخر، مما انعكس سلباً على الاعلام اللبناني “الكيّيف”. فاصبح هذا الاخير مجبراً على ايجاد دور اخر لنفسه تلقفه اللاعبون في المنطقة في تمويل من يرغب في المشاركة في الصراع على الشرق الاوسط الجديد. و لذلك، فقد انزوت المحطات ذات الطابع المذهبي و السياسي الواضح كل منها الى زواريبها، تشارك في تجييش و تحريض قواعدها و من ثم الى دعوتها للتهدئة عندما يكون سياسييها في فترة المهادنة. أما المحطات (أو المحطة الوحيدة ربما) العابرة للمذاهب،  و هي   تلفزيون الجديد ، فقد اكتفت نسبياً بالماكرو و لم تدخل في المايكرو الا من منطق المعارضة لنهج الحريرية و السعودية (طبعاً بتمويل خارجي ايضاً) . ويشهد لهذه المحطة بدايات جيدة في عالم الصحافة الاستقصائية، لكنها سرعان ماوقعت في مطب الصحافة الصفراء، و التشويق الرخيص احياناً و قد بلغ الامر ذروته عندما بأت الأل بي سي مزاحمتها في هذا المجال لا سيما في قضية المخطوفين أخيراً.

لم يتسنى لي كثيراً متابعة الاعلام المتلفز للاسباب المذكورة اعلاه و اسباب كثيرة سوف اذكرها ادناه، و لكنني استطعت في الوقت المحدود التي فتحت فيه التلفاز ان اتابع قليلاً من تغطية تلفزيون الجديد للاحداث الراهنة و هذا ما “فلجني”… يجدر الذكر هنا ان انتقادي للجديد فيه جزء من المديح كوني لم اشاهد غيرهم (مع انهم ما بيستاهلو). فمن انزلاقهم الي “مضافة” ابو ابراهيم الشهيرة، الى فتحهم الهواء لكل موتور في الشارع يساهم في صب الزيت على النار، الى كل “ناطق” باسم عصابة ، الى منظر مراسلة الجديد و هي تتصفح جواز سفر التركي المخطوف و تخبرنا على الهواء الى اية بلدان سافر و ما هي التأشيرات عليه، الى منظر المراسلة الاخرى في اعزاز و هي تخبرنا أن اربعة من المخطوفين اللبنانيين قد قتلوا على الارجح لأن “ابو ابراهيم قال ذلك اذا فأن ذلك على الارجح صحيح لان للرجل مصداقية  نظراً لتجربة الاعلام معه”، الى مراسل اخر يسأل احد اقرباء احد المخطوفين داخلياً عن “ماذا ستفعلون الان” كانه تحريض منه على فئة اخرى من اللبنانيين…و ما الى ذلك من هفوات مقصودة او غير مقصودة انما تدل على التسرع في تحقيق سبق صحفي بأي ثمن قد يحقق بعض من نسب المشاهدة انما يظهر ايضاً تفاهة كبيرة و رخص بالتعاطي مع مشاعر الناس و خصوصياتهم و استهتار بأمن البلد في زمن ينأى الامن بنفسه عن تأمين ادنى درجات الامان للناس.

 لقد أصبح الاعلام اللبناني يتماهى في تغطيته للاحداث الراهنة مع الفضائيات الاخبارية العربية بسيئاتها. و قد فشل ايضاً في استغلال مناخ الحرية النسبي  الذي يتمتع به من أجل ان يقدم بديلاً لفضائيات النفط. و تجدر الاشارة الى انه حتى في برامج الترفيه، لم يبتكر اللبنانيون -الذين يتغنون بابداعاتهم- برنامجاً واحداً في قطاع يعتبرون انفسهم رواداً فيه، انما اكتفوا بشراء و تعريب برامج اجنبية من دون اي تعديل يذكر عليها. أما في مجال الدراما، فتبقى المسلسلات اللبنانية بتفاهة و تصنّع المقدمات الاخبارية، و التمثيل و الاخراج فيها يبعثان على التقيؤ.

السفير في 11 نوفمبر 1999

ان سوق صغير و محدود كلبنان لا يحتمل هذا العدد من المحطات اذا سلمنا جدلاً ان الاعلانات هي المدخول الوحيد. لذلك تبقي هذه المحطات مرتهنة للتمويل السياسي سواء داخلياً كان ام خارجياً. لذلك ليس هنالك من امل لهذا النوذج من الاعلام ان يصبح افضل مما هو عليه الان. خصوصاً ان هذا النموذج اخذ في التراجع عالمياً لصالح نوع من التلفزة المربوطة بالانترنت حيث يختار المشاهد ما يريد ان يشاهد. يبقى الامل الوحيد هو ان يصبح لدينا دولة في يوم من الايام. قد يبدو هذا الطرح  خشبياً و بروباغندياً، لكن الامل الوحيد هو في تلفزيون رسمي ممول من ضرائبنا، و حتى الى حد ان يكون خالياً من الاعلانات التجارية، عندئذ فقط، يمكن ان ان نرى بعض النوعية و بعض الايجابية. و الى حين يأتي هذا اليوم في زمن تقوم الحكومات نفسها بتفتيت ما تبقى من مؤسسات العهد الشهابي، ، عيش يا كديش!

—————————————————————————-

لمزيد من المعلومات و الاراء حول الموضوع:

نهلى الشهال في برنامج نهاركم سعيد

و  جوزيف الخوري في ناو ليبانون

http://www.nowlebanon.com/Arabic/NewsArticleDetails.aspx?ID=430092