حول الأم تي في و العارض الفينيقي

by i-naj

 يعاني الكثيرون في لبنان  من ما يسمى “العارض الفينيقي”  .

يتميز هذا العارض بخصائص كثيرة أبرزها تبني فكر ميشال شيحا اجتماعيا و اقتصادياً. و أبرز هذه الخصائص اجتماعياً معجزة الانسان اللبناني و المرتبة التي يحتلها في مصاف الشعوب  المتقدمة. و يتفوق الانسان اللبناني -المعجزة -بحسب هذه النظرية- على باقي الشعوب المحيطة به لا سيما العربية منها و الافريقية و الاسيوية. و تزداد هذه النظرة الدونية للشعوب التي تصدر العمالة الى لبنان و تمتزج بعنصرية كبيرة تتجلى في ممارسات عديدة ابرزها ما جرى تداوله مؤخرا حول موضوع المسابح و دخول عاملات المنازل، أو ما جرى تداوله حول  “الغرباء” و المشاكل الاجتماعية التي نسبت اليهم في بعض الاحياء. لكن الفوقية هذه تنتهي عند أقدام “الرجل الابيض” و المضحك في الامر ان  المصاب بالعارض الفينيقي يشعر بالدونية تجاه الرجل الابيض و بالحاجة الملحة للتماهي معه ولاثبات تفوقه على محيطه امامه..

و احدى تجليات هذا الشعور بالعظمة تظهر في التغطيات الاعلامية لانجازات هذا الانسان -المعجزة. ففي الكثير من الأحيان يكون الانجاز عملا بسيطاً او روتينياً، او يكون انجاز فريق عمل احد افراده لبنانياً ، او من اصول لبنانية. و في احيان كثيرة يكون انجازاً علمياً او تجارياً لأميركي أو اوروبي يحمل هوية أو اصول لبنانية.

 لنتوقف قليلاً عند خبر الأم تي في و المريخ، و لنتصور ان كل فرد من فريق الناسا اتى من بلد مختلف، نشأ فيه، تعلم فيه، و ذهب للولايات المحدة ليتابع تحصيله العلمي العالي، و بقي هناك، عمل و كون خبرة عملية و توصل مع باقي اعضاء الفريق لهذا الانجاز. تخيل الان ان في كل بلد من هذه البلدان الأم لهذا الفريق هناك تلفزيون على شاكلة الأم تي في. تخيل كيف سيكون عنوان كل خبر….

 و يتجلى هذا العارض ايضاً عند البعض في المحاولة المستمرة أمام “الرجل الابيض” غير المطّلع لاثبات  فكرة  اننا لا نعيش في الخيم و اننا نستخدم الكمبيوتر، و اننا نصل الليل بالنهار في سهرنا المتواصل  في علب الليل و  التي نتفوق فيها على الرجل الابيض نفسه بكمية “الفحش” القادرين على ارتكابه و كيف ان السهر عندنا لا ينتهي بعكس اكثر البلدان تطوراً حيث تغلق علب الليل عند الثانية او الثالثة فجراً.   يظهر ذلك في الاعلانات و الصور المتناقلة بعناوين مثل “هيدا نحنا” و “هيدا جونا” و “هيدا لبنان”…الخ و بتناقل مقالات عبر مواقع التواصل يكتبها بعض صحافيي الرجل الابيض و المليئة بالسطحية و الافكار المسبقة و الاختزال.

ان الشعور بالعظمة ليس بالضرورة خطأً، لكن حين نستدرك ان هذا الانسان المعجزة غير قادر على تأمين اساسيات الحياة العصرية من كهرباء و تكنولوجيا و صحة التمثيل و قوانين و تشريعات عصرية، يصبح هذا الشعور امراً يبعث على السخرية. فبالرغم من كون هذا الانسان-المعجزة يعيش في شقق بعضها عصري، و يمتلك سيارة و كمبيوتر و هاتف ذكي و يسهر ليلاً نهاراً، فان الامور التالية ما زلت من زمن الخيمة:

– عدم توفر الكهرباء من زمن الخيمة

– نظام الوراثة السياسية و العائلات السياسية من زمن الخيمة

– قانون الاحوال الشخصية و انعدام الشق المدني فيه من زمن القرون الوسطى

– نظام القيم الاجتماعي عند الفئة الكبرى من الناس من زمن الخيمة

– نظام الأمن بالتراضي و الاعتماد على الامن الذاتي من زمن ما قبل الخيمة

– نظام الديموقرطية التوافقية من زمن اليونان

– نظام الخدم في المنازل من زمن العبودية و ما قبلها

احدى صور النيويورك تايمز في مقال عن بيروت

بالخلاصة ، ليس هنالك بصراحة ما يمكن ان يتباهى المرء فيه  في هذا البلد (او مسخ الوطن كما يسميه البعض) فلا تستطيع يا اخي المواطن ان تعيش في اكثر الشقق عصرية و تنتخب احد افراد هذه الطبقة السياسية او احد اولاده مثلاً، أو ان تقتني اكثر السيارات عصرية و تقودها كما يسوس الراعي أغنامه (و هو في ذلك اكثر تنظيماً)  ، او ان تسهر في احلى منتجع و تعود   الى منزلك و تصعد الدرج لان الكهرباء مقطوعة. قد تستطيع فعل كل ذلك و اكثر ، لكن رجاء لا تتباهى بذلك… يلي استحوا ماتوا.