حرية الانترنت بين السياسة و رأس المال

by i-naj

حرية الانترنت بين السياسة و رأس المال

تشهد الشبكة الالكترونية ايامنا هذه نقاشات واسعة حول حرية الانترنت، عقب محاولة بعض الحكومات الغربية منها و الشرقية، وضع قيود على استخدامها.

و تضع الحكومات هذه اليوم قيود عديدة يمكن تلخيصها بثلاث فئات:
– قيود أمنية تتعلق بالبيانات الشخصية و كيفية الوصول اليها
– قيود رقابية تتعلق بالمواقع الممنوعة الدخول اليها لاسباب دينية او سياسية
– قيود ذات طابع تجاري و قضائي و هي موضوع المقال

لماذا اليوم؟
تطورت صناعة اشباه الموصلات بشكل ملحوظ جعل من الممكن تصنيع اجهزة الاتصال المختلفة بالمليارات (كالهواتف الذكية و الحواسيب المحمولة، و الالواح الرقمية)، و انخفضت نسبياً تكلفة الاشتراك بخدمات الانترنت حول العالم و اصبحت تسجل فيه معدلات استخدام الشبكة ارقاما قياسية. و قد ساهم هذا التطور ايضاً بزيادة سرعة الاتصال بالشبكة و سرعة نقل المعلومات فيها، فأصبح بالامكان مشاهدة فيلم كامل عبر الشبكة من دون الحاجة الى نسخه. و فيما كان بطىء الاتصال يثني الكثيرين عن تحميل الأغاني و الأفلام، أصبح اليوم متاحاً بشكل أسرع و أسرع في عدد متزايد من البلدان.

الغاء الوسيط
لقد بات الانترنت يهدد كبرى صناعات النشر و التوزيع بالغائه دور الوسيط في العديد من الحالات. فاصبح بالامكان شراء الكتب عبر الانترنت لدى أمازون مثلاً. الشراء عبر الانترنت لم يلغ وحده دور الوسيط، لقد الغى في احيان كثيرة دور المكتبة فقط مما دفع بسلسلة بوردرز للمكتبات Borders الى اعلان افلاسها. دور النشر استفادت في الوهلة الاولة من ذلك فقد استمرت بالبيع عبر الشبكة بنفس اسعار المكتبات مع ان الكلفة أقل بالنسبة لها. و مع انتشار الالواح الرقمية اصبحت تبيع نسخ الكترونية باسعار غير مبررة كون كلفة الطبع ذهبت ايضاً. اثار هذا سخط العديد من الكتاب مما خلق موجة النشر التلقائي و البيع مباشرة عبر امازون Amazon . و قامت امازون بدورها بانشاء فرع للنشر الالكتروني متجاوزة بذلك دور النشر. و قد ساعد موجة النشر التلقائي فئة جديدة من الشركات هي مواقع التمويل التلقائي. في هذه المواقع يقوم الكاتب أو المؤلف الموسيقي و أي صاحب فكرة الى طرحها، و يقوم بتحديد المبلغ المرجو جمعه لتحقيق مشروعه، و يموله الناس أو المعجبون أو القراء مباشرة عبر الانترنت بمبالغ زهيدة مقابل نسخة من الكتاب أو العمل الموسيقي عند صدوره، فيما يشبه كثيراً عملية شراء شقة “على الخريطة”. ما ذكرناه عن موضوع الكتابة ينطبق ايضاً على موضوع الموسيقى، الافلام، البرمجيات…ألخ
ساهمت كل هذه العوامل بتقليص هوامش ارباح كبرى شركات الانتاج النشر و التوزيع، فانصرفت بدل البحث عن البدائل الى لوم الانترنت. و فيما كانت سابقاً تغض النظر عن ما تسميه “القرصنة” كونها لم تكن تؤثر على ارباحها لا بل ساعدت على انتشار اعمالها في المناطق الاكثر فقراً، أصبحت اليوم تضغط على الحكومات و صنّاع القرار لمزيد من الضوابط على الانترنت في هذا الاتجاه.

الهدف الاساسي في هذه المواجهة، و التي يقودها لوبي الانتاج و التوزيع السينمائي في هوليوود و لوبي الانتاج الموسيقي في الولايات المتحدة، هو مواقع مشاركة الملفات (File Sharing) و “التورنت” Torrent . في هذه المواقع يمكن للمستخدم مشاركة أي من الملفات الموجودة لديه مع باقي مستخدمين الشبكة (صور، افلام،ألعاب،برمجيات،منشورات…) مما يتيح لأي مستخدم اخر أن يقوم بالبحث عن ملف معين، و تنزيله من الحواسيب التي شاركته باقسام صغيرة كل قسم من حاسبة مختلفة يتم تجمعها عند النهاية، مما يتيح تنزيل اسرع و من مصادر متنوعة. يساهم هذا النوع من المواقع بانتشار الملفات بشكل كثيف و سريع بين المستخدمين كما يمكن استخدامه لنشر مواد تخضع لما يسمى لقوانين حماية الملكية الفكرية أو ما يجدر تسميته قوانين حماية كبرى شركات الانتاج اذ ان المبتكر في كلا الحالتين لا يصله سوى مبلغ مقطوع و زهيد مقارنة بما تجنيه هذه الشركات.
الحرب على هذه المواقع فتحت على جبهتين: الاولى عبر محاولة الضغط على صناع القرار لتمرير تشريعات على مستوى الحكومات تسمح لها بمنع مواقع معينة. كمشاريع SOPA و PIPA و التي لم تفلح في المرور في الكونغرس الأميركي و البرلمان الاوروبي حتى الان نظراً لاعتراض العديد من مؤيدي حرية الانترنت و كبرى الشركات المتضررة (اعتراض غوغل و اضراب ويكيبيديا على سبيل المثال).
و الجبهة الثانية و الاكثر نجاحاً حتى الان و هي الدعاوى القضائية بحق هذه المواقع و مؤسسيها، و تشهد عمليات كر و فر من دولة الى اخرى و من قضاء الى اخر. فقد نجح هذا اللوبي باغلاق موقع mega upload الذي اسس في هونغ كونغ عام 2005 و قد تم اغلاقه من قبل وزارة العدل الامريكية في مطلع هذا العام 2012 و سجن مؤسسه الألماني المقيم في نيو زيلندا كيم دوتكوم لمدة شهر بعد استئناف الحكم. و ما زالت الحكومة الاميركية تطالب بتسليمه للمحاكمة في الولايات المتحدة الى يومنا هذا. و يظهر هذا حجم النفوذ و الاموال المستخدمة في هذه الدعاوى العابرة للقارات.
اما الموقع السويدي Pirate Bay المؤسس في 2003 فما زال يشهد معارك كر و فر و اغلق لمرات عديدة و حكم على مؤسسيه بالسجن و غرامات مالية مرات عديدة و منع في بعض الدول و اتهم القاضي في السويد بالانحياز لشركات الانتاج الاميركية. و قد اضاف الموقع خادمات ملفات في كل من روسيا و بلجيكا تحسباً لأغارة قضائية مجدداً في السويد.
كما و أقفل موقع library.nu لمشاركة الكتب بنسخها الالكترونية تلقائياً بعد تهديد كبار ناشري الكتب التربوية في الولايات المتحدة بدعاوى قضائية. و الجدير بالذكر ان هذا الموقع كان يحوي نسخ مجانية لكتب جامعية في شتى الاختصاصات، (معدل سعر الواحد منها مئة دولار على الاقل) استفاد منها على مدى العامين الاخيرين، قبل اقفال الموقع، الملايين من الطلاب في الدول النامية.
و قد وصلت السخافة بهذا اللوبي أن يطلب القضاء الفرنسي من شركة غوغل أن تفرض رقابة على كلمة “تورنت” Torrent في محرك البحث و هي كلمة تعني في بعض معانيها مواقع مشاركة الملفات، لكنها ايضاً كلمة في القاموس الفرنسي و الانكليزي و لها معاني لغوية اخرى. و هذا بناء على طلب لوبي انتاج الموسيقى الفرنسي كما صرح الناطق باسمه دافيد الصايغ.

الجدير بالذكر أن منع مواقع معينة من السهل تجاوزه تقنياً ان لم يتم اغلاق هذه المواقع من مصدرها (اغلاق خادم الملفات نفسه) و يجدر التذكير انه و بالرغم من كون الانترنت فضاءاً مفتوحاً، فأن الولوج اليه يتم من خلال الاشتراك بخدمة الانترنت عبر مزودي الخدمات و هنا مكمن الخلل في مفهوم الحرية المطلقة للشبكة، اذ بامكان هؤلاء المزودين التنصت على ما يمر من عبرهم بناء على طلب جهاز امني ما، أو منع موقع بناء على مذكرة قضائية. ففي الدول التوتاليتارية تكون الدولة هي المزود و المتحكم، و في الدول المسماة ديمقراطية يكون القطاع الخاص هو المزود و مزيج الدولة و كبرى الشركات المتحكم.

اقتصادات طفيلية
على صعيد اخر، سمح ازدياد سرعة الاتصال و انخفاض التكلفة لجمهور عريض من مستخدمي الانترنت باستخدام الشبكة للاتصالات عبرها (voice over IP) و خاصة في البلدان النامية المصدرة للعمالة و التي لم يكن دخل افرادها يسمح لهم بتحمل كلفة الاتصالات الدولية الباهظة للتواصل مع اقربائهم في المهجر. و قد ساهم هذا الامر بزيادة مستخدمي الانترنت بالملايين من الذين لم يكن الامر يهمهم سابقاً. هذا الامر حرم العديد من الاقتصادات الريعية غير المنتجة من مداخيل هامة لموازاناتها كونها تفرض رسوم باهظة على التخابر الدولي، فلجأت الكثير من الحكومات لمنع الولوج الى خدمات التخابر عبر الانترنت “كالسكايب” skype.

الحرب مفتوحة اذا بين لوبي شركات الانتاج الموسيقي و السينمائي و الحكومات من جهة، و مجموعات من انصار حرية الانترنت و حرية نقل المعلومات و “القراصنة” من جهة اخرى و تستخدم الجهة الأولى فيها اموال هائلة و سلطة تشريعية و تنفيذية. و اذا تقوم منظمات الدول المتقدمة بانتقاد قمع حريات الانترنت لاسباب سياسية في الدول التوتاليتارية سياسياً، تتغافل في معظمها عن محاولات قمع حريات الانترنت لاسباب رأسمالية في الدول الديمقراطية سياسياً و التوتاليتارية اقتصادياً.